Print logo
Jump to main navigation Jump to content

المطبوعات

الاقتصاد الأزرق في مصر: الممرات المائية النظيفة، ومصايد الأسماك المستدامة، والملاحة الخضراء

Arab Institute of Navigation

الفكرة الرئيسية
المقال يهدف إلى رفع الوعي العام بأن حماية المياه ليست قضية بيئية فقط، بل قضية أمن غذائي وصحة عامة وفرص عمل وملاحة وسياحة مستدامة.
 

لمحة سريعة بالأرقام
توضح هذه المؤشرات أن الاقتصاد الأزرق في مصر يجمع بين فرصة تنموية كبيرة وخطر بيئي يحتاج إلى وعي وسلوك يومي منظم.

المصادر: FAO SOFIA 2024، WorldFish، UNEP/MAP.

مقدمة: حين يصبح الماء قضية حياة
في مصر، لا يمكن الحديث عن التنمية أو الأمن الغذائي أو الصحة العامة دون الحديث عن الماء. فالنيل ليس مجرد نهر يعبر البلاد من الجنوب إلى الشمال، بل هو الذاكرة الحية للحضارة المصرية، ومصدر رئيسي للزراعة والشرب والحياة. والبحران المتوسط والأحمر ليسا مجرد حدود جغرافية، بل نافذتان للتجارة والسياحة والملاحة والصيد وفرص العمل. وبين النهر والبحرين والبحيرات الشمالية وقناة السويس، تمتلك مصر ثروة مائية وبحرية فريدة، لكنها في الوقت نفسه ثروة شديدة الحساسية أمام التلوث وسوء الاستخدام وتغير المناخ.
لهذا يظهر مفهوم “الاقتصاد الأزرق” باعتباره أحد المفاهيم المهمة لمستقبل مصر. فالاقتصاد الأزرق لا يعني فقط استغلال البحار والأنهار والبحيرات لتحقيق النمو الاقتصادي، بل يعني استخدامها بطريقة مستدامة تحافظ على صحة النظم البيئية وتضمن استمرار الموارد للأجيال القادمة. وبمعنى أبسط، هو اقتصاد يقوم على قاعدة واضحة: يمكن للمياه أن تمنحنا الغذاء والعمل والطاقة والنقل والسياحة، لكن بشرط أن نحافظ عليها نظيفة وقادرة على الحياة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في زيادة إنتاج الأسماك أو تطوير الموانئ أو جذب السياح إلى الشواطئ، بل في حماية الأصل الذي تقوم عليه كل هذه الأنشطة: المياه نفسها. فإذا تلوث النيل، تضررت صحة الإنسان والزراعة والثروة السمكية. وإذا تلوث البحر، تضررت الشواطئ والسياحة والمصايد. وإذا تدهورت البحيرات، خسر الصيادون مصدر رزقهم وخسرت الدولة مورداً غذائياً مهماً.


ما هو الاقتصاد الأزرق؟
يقصد بالاقتصاد الأزرق الاستخدام المستدام للموارد المائية والبحرية من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صحة النظم البيئية. وهذا التعريف مهم لأنه يضع البيئة في قلب التنمية، لا على هامشها. فالنمو الحقيقي لا يتحقق إذا كان ثمنه تدهور المياه، أو تراجع المخزون السمكي، أو زيادة الأمراض، أو فقدان التنوع الحيوي.

يشمل الاقتصاد الأزرق قطاعات متعددة، منها الصيد، والاستزراع السمكي، والملاحة، والموانئ، والسياحة الساحلية، والطاقة البحرية، وحماية الشواطئ، وإدارة المخلفات، والبحث العلمي، والتكنولوجيا البيئية. وفي الحالة المصرية، يصبح هذا المفهوم أكثر أهمية لأن مصر دولة نيلية وبحرية في الوقت نفسه، ولأن موقعها الجغرافي يجعلها مركزاً طبيعياً للتجارة والملاحة بين قارات العالم.
لكن هذا الموقع المتميز يضع على مصر مسؤولية مضاعفة. فالممرات المائية والموانئ والسواحل ليست فقط فرصاً اقتصادية، بل مناطق تحتاج إلى إدارة بيئية رشيدة. وحماية المياه ليست ترفاً بيئياً، بل شرط أساسي لاستمرار الاقتصاد نفسه.


أرقام تكشف حجم الفرصة وحجم الخطر


 

توضح البيانات الدولية الحديثة أن العالم يتجه بصورة متزايدة نحو الاعتماد على الموارد المائية كمصدر للغذاء. فقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في تقرير حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية لعام 2024 إلى أن الإنتاج العالمي من المصايد والاستزراع المائي وصل في عام 2022 إلى نحو 223. 2 مليون طن، وهو رقم قياسي يعكس الأهمية المتزايدة للغذاء المائي في مواجهة تحديات الأمن الغذائي.
وفي عام 2022 أيضاً، تجاوز إنتاج الاستزراع المائي العالمي إنتاج المصايد الطبيعية من الحيوانات المائية لأول مرة في التاريخ. هذه نقطة تحول مهمة؛ فهي تعني أن العالم لم يعد يستطيع الاعتماد فقط على الصيد من البحار والأنهار والبحيرات، وأن الاستزراع السمكي أصبح جزءاً رئيسياً من منظومة الغذاء العالمي.
أما مصر، فلها مكانة بارزة في هذا المجال. فهي تعد أكبر منتج للاستزراع السمكي في أفريقيا، كما أن الاستزراع السمكي يمثل نحو 80% من إجمالي إنتاج الأسماك في مصر وفق تقديرات حديثة. وتشير بيانات دولية إلى أن مصر تنتج قرابة مليوني طن من الأسماك سنوياً، وأن قطاع الاستزراع السمكي المصري يوفر مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويدعم الأمن الغذائي من خلال توفير مصدر بروتين أقل تكلفة نسبياً من كثير من البدائل الحيوانية.
لكن هذه الفرصة الكبيرة تواجه مخاطر حقيقية. فالتلوث البلاستيكي في البحر المتوسط أصبح من أخطر التحديات البيئية في المنطقة. وتقدر تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة/خطة عمل البحر المتوسط أن البحر المتوسط يستقبل نحو 730 طناً من المخلفات البلاستيكية يومياً، وأن البلاستيك يمثل النسبة الأكبر من المخلفات العائمة في البحر. كما أن المخلفات أحادية الاستخدام، مثل الأكياس والزجاجات ومواد التغليف، تشكل جزءاً كبيراً من المخلفات المسجلة على الشواطئ.
هذه الأرقام لا تخص البحر وحده. فما يصل إلى الشارع قد يصل إلى المصرف، وما يصل إلى المصرف قد يصل إلى النيل أو البحيرات أو البحر. وهكذا تتحول المخلفات اليومية الصغيرة إلى أزمة بيئية كبيرة، تمتد آثارها من المياه إلى الأسماك، ومن الأسماك إلى الإنسان.

جدول إرشادي لأهم المؤشرات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق

جدول (1): مؤشرات مختارة للربط بين الاقتصاد الأزرق والأمن الغذائي والتلوث البحري. المصادر موضحة في نهاية المقال.



 شكل (1): الإنتاج العالمي من المصايد والاستزراع المائي عام 2022 وفق تقرير FAO/SOFIA 2024.

 

شكل (2): حصة الاستزراع السمكي التقريبية من إنتاج الأسماك في مصر وفق WorldFish و USDA-FAS.


هذه المؤشرات توضح أن مصر تقف أمام معادلة مزدوجة: فرصة كبيرة في الإنتاج والتنمية، وخطر كبير إذا لم تتم حماية المياه من التلوث والتدهور.


التلوث المائي: العدو غير المرئي للثروة السمكية



 عندما يرى المواطن زجاجة بلاستيكية على الشاطئ أو كيساً عالقاً في مصرف، قد يظن أن المشكلة جمالية فقط. لكن الحقيقة أن التلوث المائي أخطر من المظهر العام بكثير. فالمخلفات البلاستيكية لا تختفي، بل تتفكك مع الوقت بفعل الشمس والأمواج والاحتكاك إلى جزيئات صغيرة تعرف باسم الميكروبلاستيك. هذه الجزيئات قد تبتلعها الكائنات الصغيرة، ثم تنتقل إلى الأسماك، ومنها إلى الإنسان.
أما التلوث الصناعي والزراعي، فقد يحمل معادن ثقيلة ومبيدات ومركبات كيميائية تؤثر على جودة المياه وصحة الكائنات المائية. وتزداد المشكلة عندما تختلط مصادر التلوث: صرف غير معالج، مخلفات زراعية، مواد بلاستيكية، زيوت، ومخلفات صلبة. عندها لا يصبح الضرر بيئياً فقط، بل اقتصادياً وصحياً واجتماعياً.
فالسمكة التي تعيش في بيئة ملوثة تنمو بصعوبة، وقد تصبح أقل جودة أو أقل أماناً للاستهلاك. والصياد الذي يجد شباكه ممتلئة بالمخلفات بدلاً من الأسماك يخسر الوقت والدخل. والمواطن الذي يعتمد على المياه والغذاء المائي يتحمل في النهاية جزءاً من التكلفة، سواء في الصحة أو الأسعار أو جودة الحياة.


البحيرات المصرية: ثروة تحتاج إلى إنقاذ مستمر

تمثل البحيرات الشمالية، مثل المنزلة والبرلس وإدكو ومريوط، مورداً مهماً للأسماك وفرص العمل والتنوع الحيوي. وهي مناطق انتقالية شديدة الأهمية بين المياه العذبة والمالحة، وتلعب دوراً بيئياً واقتصادياً كبيراً. لكنها تعرضت لعقود من الضغوط نتيجة الصرف، والتعديات، والمخلفات، وتغير نوعية المياه، وانخفاض المساحات الفعالة في بعض المناطق.
إن تطوير البحيرات لا يعني فقط إزالة التعديات أو تعميق البواغيز، بل يعني أيضاً السيطرة على مصادر التلوث التي تدخل إليها يومياً. فلا يمكن أن نطالب البحيرة بإنتاج سمك جيد إذا كانت تستقبل ملوثات باستمرار. ولا يمكن أن نطلب من الصياد تحسين دخله إذا كان النظام البيئي الذي يعتمد عليه يتدهور.
لذلك يجب النظر إلى البحيرات باعتبارها جزءاً من الاقتصاد الأزرق المصري، لا مجرد مناطق صيد تقليدية. فهي مخازن طبيعية للتنوع الحيوي، ومصدر رزق لآلاف الأسر، وحاجز بيئي مهم، وفرصة للاستثمار المستدام إذا أُديرت بطريقة علمية.


الملاحة والموانئ: قلب الاقتصاد الأزرق



لا يكتمل الحديث عن الاقتصاد الأزرق في مصر دون التطرق إلى الملاحة والموانئ. فمصر تملك موقعاً فريداً على طرق التجارة العالمية، وقناة السويس تمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أن الموانئ المصرية على البحرين المتوسط والأحمر تؤدي دوراً محورياً في التجارة واللوجستيات وسلاسل الإمداد.
لكن الموانئ والسفن تحتاج إلى إدارة بيئية دقيقة. فالنشاط الملاحي قد يرتبط بمخلفات السفن، والانبعاثات، والتلوث الزيتي، ومياه الاتزان، ونقل الأنواع الدخيلة، والضوضاء تحت الماء، وتأثيرات التوسع العمراني والصناعي حول المناطق الساحلية. لهذا ظهر عالمياً مفهوم “الموانئ الخضراء”، أي الموانئ التي تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية.
الميناء الأخضر ليس مجرد ميناء نظيف الشكل، بل نظام متكامل يشمل استقبال مخلفات السفن بطريقة آمنة، تقليل الانبعاثات، تحسين كفاءة الطاقة، مراقبة جودة المياه، منع التصريف غير القانوني، وتدريب العاملين على الإجراءات البيئية. وفي مصر، يمكن أن يكون تطوير الموانئ الخضراء جزءاً مهماً من رؤية الاقتصاد الأزرق، خاصة مع اتساع أهمية النقل البحري والسياحة الساحلية.


الصيادون: من ضحايا التلوث إلى شركاء في الحل

الصياد هو أول من يشعر بتغير المياه. فهو يلاحظ تراجع بعض الأنواع، وظهور أنواع غير مألوفة، وزيادة القناديل أو المخلفات، وتغير لون المياه أو رائحتها. ولهذا لا يجب التعامل مع الصيادين باعتبارهم مجرد فئة متضررة، بل كشركاء في الرصد والحماية.
يمكن للصياد أن يكون عيناً مبكرة على التلوث. فإذا وجد نفوقاً غير طبيعي للأسماك، أو بقعة زيتية، أو كائناً غريباً، أو تراكم مخلفات في منطقة معينة، فإن الإبلاغ السريع قد يساعد الجهات المختصة على التدخل قبل تفاقم المشكلة. لكن هذا يتطلب تدريباً، وثقة، وقنوات تواصل واضحة، وحوافز معنوية أو مادية تشجع المشاركة.
كما أن الصيادين يحتاجون إلى دعم في تبني ممارسات أكثر استدامة، مثل تجنب الصيد في مواسم التكاثر، وعدم استخدام شباك مخالفة، وتقليل فقد معدات الصيد في المياه، والتعامل الآمن مع المخلفات التي تخرج في الشباك. فالصيد المسؤول لا يحمي البيئة فقط، بل يحمي رزق الصياد نفسه على المدى الطويل.


المواطن العادي: أين يبدأ دوره؟
قد يظن البعض أن الاقتصاد الأزرق شأن حكومي أو تخصصي يخص الوزارات والموانئ والصيادين فقط. لكن الحقيقة أن المواطن العادي هو جزء أساسي من المعادلة. فكثير من التلوث يبدأ من قرارات يومية صغيرة: كيس بلاستيك يستخدم مرة واحدة، زجاجة تلقى في الشارع، مخلفات منزلية لا يتم فصلها، أو سلوك غير مسؤول على شاطئ أو مركب أو كورنيش.
كل قطعة بلاستيك لا تلقى في الشارع هي مساهمة في حماية البحر. وكل أسرة تقلل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام تساعد في تقليل العبء على المصارف والمجاري المائية. وكل طالب يشارك في حملة تنظيف أو توعية يصبح سفيراً صغيراً لحماية المياه.
إن تغيير السلوك لا يحدث بالخوف وحده، بل بالمعرفة. عندما يدرك المواطن أن المخلفات التي يتركها على الشاطئ قد تعود إليه في صورة سمك ملوث أو شاطئ غير آمن أو تكلفة أعلى لتنقية المياه، تصبح حماية البيئة مصلحة شخصية ووطنية في الوقت نفسه.


التوعية البيئية: من الكلام إلى السلوك
الهدف من هذا المقال ليس فقط عرض معلومات، بل الدعوة إلى وعي عام جديد. فالتوعية البيئية الناجحة لا تكتفي بعبارات مثل “حافظ على النيل” أو “لا تلقِ المخلفات”، بل تشرح للناس العلاقة بين الفعل والنتيجة. يجب أن يعرف المواطن أن البلاستيك لا يذوب في الماء، وأن الزيت الذي يلقى في المصرف قد يلوث مساحات واسعة، وأن الصيد الجائر اليوم يعني نقص الأسماك غداً، وأن حماية المياه أقل تكلفة بكثير من علاج التلوث بعد وقوعه.


ويمكن بناء حملة توعوية وطنية حول أربع رسائل بسيطة:
الأولى: ما تلقيه في الشارع قد يصل إلى النهر أو البحر.
الثانية: تقليل البلاستيك أحادي الاستخدام يحمي الأسماك وصحة الإنسان.
الثالثة: الصيد المسؤول يحافظ على رزق الصيادين واستقرار الأسواق.
الرابعة: الإبلاغ المبكر عن التلوث أو نفوق الأسماك قد يمنع كارثة بيئية.
هذه الرسائل يمكن أن تصل إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب والموانئ والجمعيات الأهلية والأندية البحرية ووسائل الإعلام. كما يمكن تحويلها إلى أنشطة عملية: أيام لتنظيف الشواطئ وضفاف النيل، مسابقات مدرسية، ورش للصيادين، تطبيقات للإبلاغ، ومواد إعلامية مبسطة بلغة قريبة من الناس.


الاقتصاد الأزرق كفرصة للشباب والمرأة
لا ينبغي النظر إلى حماية المياه على أنها عبء، بل فرصة. فإدارة المخلفات، وإعادة التدوير، وتربية الأسماك المستدامة، وتجهيز المنتجات السمكية، والسياحة البيئية، والرصد البيئي، كلها مجالات يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة، خاصة للشباب والمرأة في المجتمعات الساحلية والريفية.
يمكن للشباب أن يشاركوا في مشروعات ناشئة لتحويل المخلفات البلاستيكية إلى منتجات مفيدة، أو في تطوير تطبيقات لرصد التلوث، أو في حملات توعية رقمية. ويمكن للمرأة أن تلعب دوراً مهماً في فرز المخلفات من المصدر، وتجهيز المنتجات السمكية، ونشر السلوكيات الصحية داخل الأسرة والمجتمع.
وبذلك يصبح الاقتصاد الأزرق ليس فقط قضية بيئية، بل مشروعاً اجتماعياً وتنموياً يربط بين حماية الطبيعة وتحسين الدخل وخلق فرص جديدة.
كيف يمكن تحويل الفكرة إلى برنامج عمل؟ من الفكرة إلى التطبيق: برنامج وطني للتوعية بالاقتصاد الأزرق
لكي يتحول الاقتصاد الأزرق من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية مؤثرة، لا يكفي أن نتحدث عنه في المؤتمرات أو التقارير أو المقالات المتخصصة. فالاقتصاد الأزرق الحقيقي يبدأ عندما يفهم المواطن معنى أن يكون النهر نظيفاً، ويدرك الصياد أن حماية المخزون السمكي تعني حماية رزقه، وتتعامل المدرسة مع المياه كقضية تربوية، وتنظر الجامعة إلى البحر والنيل والبحيرات كمختبرات مفتوحة للبحث والابتكار، وتتعامل الموانئ مع البيئة البحرية باعتبارها جزءاً من كفاءة التشغيل لا عبئاً إضافياً.
ومن هنا يمكن اقتراح برنامج توعوي وتطبيقي يقوم على خمسة محاور مترابطة، لا يعمل كل محور منها بمعزل عن الآخر، بل تتكامل جميعها لبناء ثقافة عامة جديدة حول حماية المياه والثروة السمكية والممرات المائية. فالهدف ليس فقط نشر المعلومات، بل تحويل المعرفة إلى سلوك، والسلوك إلى مشاركة، والمشاركة إلى أثر ملموس في النيل والبحر والبحيرات والموانئ والمجتمعات الساحلية والنهرية.


المحور الأول: المعرفة العامة وبناء الوعي المجتمعي

يبدأ أي تغيير حقيقي من المعرفة. فالكثير من المواطنين يسمعون مصطلح “الاقتصاد الأزرق” دون أن يعرفوا معناه العملي أو علاقته بحياتهم اليومية. وقد يظن البعض أنه مصطلح يخص الخبراء أو الجهات الحكومية أو المستثمرين فقط، بينما الحقيقة أنه يرتبط بكل مواطن يستخدم المياه، أو يأكل الأسماك، أو يزور الشواطئ، أو يعيش بالقرب من نهر أو ترعة أو بحيرة أو ساحل.
لذلك يجب أن يبدأ البرنامج بإنتاج مواد توعوية مبسطة تشرح مفهوم الاقتصاد الأزرق بلغة قريبة من الناس. ينبغي أن توضح هذه المواد أن الاقتصاد الأزرق لا يعني فقط الصيد أو الملاحة أو السياحة، بل يعني إدارة كل الأنشطة المرتبطة بالمياه بطريقة تحافظ على البيئة وتدعم الاقتصاد في الوقت نفسه. فالمياه النظيفة تعني أسماكاً أفضل، وصحة أفضل، وسياحة أكثر جذباً، وموانئ أكثر استدامة، وفرص عمل أكثر استقراراً.
ولا بد أن تكون الرسائل التوعوية قصيرة وواضحة وقابلة للتذكر. على سبيل المثال: “ما تلقيه في الشارع قد يصل إلى النيل”، أو “كل كيس بلاستيك له رحلة قد تنتهي في بطن سمكة”، أو “نظافة المياه تحمي صحتك ورزق غيرك”، أو “الصيد المسؤول يحمي أسماك الغد”. مثل هذه العبارات البسيطة يمكن أن تخلق جسراً بين القضايا البيئية الكبرى والسلوك اليومي للمواطن.
ويجب تنويع أدوات التوعية حتى تصل إلى فئات مختلفة من المجتمع. فليست كل الفئات تقرأ المقالات الطويلة أو التقارير المتخصصة. يمكن استخدام مقاطع فيديو قصيرة، ورسوم توضيحية، وملصقات في المدارس والموانئ ومراكز الشباب، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبرامج إذاعية محلية، وحلقات نقاش مجتمعية، ومحتوى مرئي موجه للأطفال. كما يمكن إنتاج دليل مبسط بعنوان “دليلك إلى الاقتصاد الأزرق في مصر”، يشرح المفاهيم الأساسية من خلال أمثلة من النيل والبحر والبحيرات.
ومن المهم أن تتجنب التوعية أسلوب التخويف المبالغ فيه، وأن تركز على العلاقة المباشرة بين الفعل والنتيجة. فعندما يفهم المواطن أن إلقاء المخلفات في الشارع قد يؤدي إلى انسداد المصارف، ثم وصول المخلفات إلى المياه، ثم تضرر الأسماك، ثم ارتفاع تكلفة التنظيف والمعالجة، يصبح السلوك البيئي أقرب إلى المنطق اليومي وليس مجرد نصيحة أخلاقية عامة.
كما يجب أن تركز المعرفة العامة على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة. فهناك من يعتقد أن البحر “ينظف نفسه”، أو أن النيل قادر على استيعاب المخلفات بلا حدود، أو أن المخلفات الصغيرة لا تؤثر. هذه المفاهيم تحتاج إلى تصحيح واضح. فالنظم المائية لها قدرة محدودة على التعافي، وعندما تتجاوز الضغوط هذه القدرة تبدأ المشكلات في الظهور: تدهور جودة المياه، نقص الأكسجين، نفوق الأسماك، تراكم البلاستيك، ظهور روائح كريهة، وتراجع القيمة الاقتصادية للمكان.
ويمكن أن يتضمن هذا المحور حملة إعلامية تحت شعار وطني جامع مثل: “مياهنا اقتصادنا”، أو “اقتصاد أزرق يبدأ بسلوك نظيف”، أو “النيل والبحر مسؤوليتنا”. ويجب أن يكون الشعار مدعوماً برسائل عملية، لا أن يبقى مجرد عبارة جميلة. فكل رسالة ينبغي أن تنتهي بفعل واضح: قلل البلاستيك، لا تلق المخلفات، أبلغ عن التلوث، احترم مواسم الصيد، شارك في تنظيف الشاطئ، ادعم المنتجات السمكية المستدامة.


المحور الثاني: المدارس والجامعات وبناء جيل أزرق واعٍ


إذا أردنا تغييراً مستداماً، فلا بد أن يبدأ من التعليم. فالطلاب ليسوا فقط متلقين للمعلومة، بل يمكن أن يكونوا سفراء للتغيير داخل أسرهم ومجتمعاتهم. وعندما يتعلم الطفل منذ الصغر أن النيل والبحر والبحيرات ليست أماكن بعيدة عن حياته، بل مصادر للغذاء والصحة والعمل والجمال، ينمو لديه شعور بالمسؤولية تجاهها.
يمكن إدخال أنشطة تعليمية مبسطة حول حماية النيل والبحر والبحيرات ضمن الأنشطة المدرسية، حتى لو لم تكن جزءاً من المناهج الرسمية في البداية. على سبيل المثال، يمكن تنظيم حصص توعوية بعنوان “رحلة كيس البلاستيك من الشارع إلى البحر”، أو “كيف تصل المخلفات إلى السمكة؟”، أو “ما معنى اقتصاد أزرق؟”. ويمكن استخدام الرسوم والخرائط والقصص المصورة لتوضيح الفكرة للأطفال.
كما يمكن للمدارس تنظيم “أسبوع المياه النظيفة”، حيث يشارك الطلاب في أنشطة متنوعة: رسم ملصقات، كتابة رسائل قصيرة، إعداد مسرحيات مدرسية، جمع أفكار لتقليل البلاستيك داخل المدرسة، وتنظيم مسابقات بين الفصول حول أفضل مبادرة بيئية. ومن المهم أن تكون هذه الأنشطة عملية ومبهجة، حتى لا يشعر الطالب أن البيئة موضوع ثقيل أو ممل.
أما في الجامعات، فيمكن تطوير أنشطة أكثر تخصصاً وعمقاً. فطلاب كليات العلوم، والهندسة، والزراعة، والطب البيطري، والتجارة، والإعلام، والسياحة والفنادق، والمعاهد البحرية، يمكن أن يشاركوا كلٌ من زاويته. فطالب العلوم يمكن أن يشارك في رصد جودة المياه، وطالب الهندسة يمكن أن يقترح حلولاً لمعالجة المخلفات، وطالب الإعلام يمكن أن ينتج حملة توعوية، وطالب التجارة يمكن أن يدرس فرص الاستثمار الأخضر، وطالب الملاحة يمكن أن يتعلم كيف ترتبط السفن والموانئ بحماية البيئة البحرية.
ويمكن إطلاق مسابقات جامعية تحت عنوان “مشروع أزرق لمصر”، تدعو الطلاب إلى تقديم أفكار قابلة للتطبيق في مجالات مثل تقليل المخلفات البلاستيكية، رصد التلوث، حماية البحيرات، دعم الصيادين، إعادة تدوير شباك الصيد، أو تطوير تطبيق للإبلاغ عن المخالفات البيئية. ويمكن عرض أفضل المشروعات في يوم مفتوح يحضره ممثلون عن المجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات الحكومية.
كما يمكن تشجيع الجامعات على تنفيذ مشروعات تخرج مرتبطة بالاقتصاد الأزرق. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعمل فريق طلابي على تصميم نموذج منخفض التكلفة لرصد جودة المياه، أو دراسة مصادر المخلفات على أحد الشواطئ، أو تحليل سلاسل القيمة في قطاع الأسماك، أو تصميم حملة إعلامية موجهة للصيادين. وبهذا تتحول الجامعة من مكان للتعليم النظري إلى شريك فعلي في حل مشكلات المجتمع.
ومن المهم أيضاً ربط الطلاب بالميدان. فزيارة محطة معالجة مياه، أو ميناء، أو بحيرة، أو مركز أبحاث بحري، أو قرية صيد، يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من عشرات المحاضرات. عندما يرى الطالب المخلفات في الشباك، أو يسمع من الصياد عن تغير المصيد، أو يشاهد الجهود المبذولة لتنظيف المياه، تصبح القضية أكثر واقعية وإنسانية.
ويمكن تأسيس نوادٍ طلابية باسم “أصدقاء الاقتصاد الأزرق” في المدارس والجامعات. تقوم هذه النوادي بتنظيم مبادرات دورية، مثل حملات تنظيف، ورصد مبسط للمخلفات، ونشر رسائل توعوية، والتعاون مع الجمعيات المحلية. ومع الوقت، يمكن أن تصبح هذه النوادي شبكة شبابية وطنية داعمة لحماية المياه.
 


المحور الثالث: الصيادون والمجتمعات المحلية كشركاء في الحماية


لا يمكن بناء اقتصاد أزرق حقيقي دون إشراك الصيادين والمجتمعات المحلية. فهؤلاء ليسوا مجرد جمهور مستهدف بالتوعية، بل هم أصحاب معرفة ميدانية وخبرة يومية لا يمكن تجاهلها. الصياد يعرف البحر أو البحيرة من خلال الممارسة، ويلاحظ التغيرات الصغيرة قبل أن تظهر في التقارير الرسمية. يعرف متى تقل الأسماك، ومتى تتغير الأنواع، ومتى تظهر كائنات غريبة، ومتى تصبح الشباك أكثر امتلاءً بالمخلفات من الأسماك.
لذلك يجب أن يتضمن البرنامج ورش عمل تدريبية للصيادين، لا تقدم لهم محاضرات نظرية طويلة، بل معلومات عملية مرتبطة بواقعهم. يمكن أن تتناول هذه الورش موضوعات مثل الصيد المسؤول، وأهمية احترام مواسم التكاثر، وخطورة صيد الزريعة والأسماك الصغيرة، وتأثير الشباك المخالفة على المخزون السمكي، وكيفية التعامل مع المخلفات التي تخرج في الشباك، وطرق الإبلاغ عن التلوث أو نفوق الأسماك أو الأنواع غير المعتادة.
ومن المهم أن تُقدم هذه الورش بلغة بسيطة وبأسلوب يحترم خبرة الصيادين. فالتوعية الناجحة لا تقول للصياد “أنت سبب المشكلة”، بل تقول له “أنت شريك في الحل”. يجب أن يشعر الصياد أن حماية البيئة ليست ضد رزقه، بل هي ضمان لاستمرار هذا الرزق. فالصيد الجائر قد يعطي دخلاً سريعاً اليوم، لكنه يهدد دخل الغد. أما الصيد المسؤول فيحافظ على دورة الحياة ويضمن استمرار المصيد.
ويمكن إنشاء برنامج باسم “الصياد الرقيب” أو “الصياد الحارس”، يقوم على تدريب مجموعة من الصيادين المتطوعين في كل منطقة على الإبلاغ المبكر عن الظواهر البيئية. لا يعني ذلك تحويل الصياد إلى موظف رقابي، بل تمكينه من نقل ما يراه بطريقة منظمة. يمكن أن يشمل البلاغ صورة، وموقعاً تقريبياً، ووصفاً مختصراً للظاهرة، مثل بقعة زيت، نفوق أسماك، انتشار قناديل، تراكم مخلفات، أو ظهور نوع غريب.
كما يجب إشراك أسر الصيادين، وخاصة النساء، في برامج التوعية. ففي كثير من المجتمعات الساحلية والنهرية تلعب المرأة دوراً مهماً في تجهيز الأسماك، وإدارة دخل الأسرة، وتربية الأطفال، ونقل السلوكيات الصحية والبيئية. ويمكن تنظيم جلسات توعية مخصصة للنساء حول سلامة الغذاء، وفرز المخلفات، وتقليل البلاستيك، وفرص المشروعات الصغيرة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق مثل تجهيز الأسماك، التعبئة، إعادة التدوير، أو الحرف البيئية.
وتحتاج المجتمعات المحلية كذلك إلى حوافز عملية. فليس من العدل أن نطلب من الناس تغيير سلوكهم دون توفير بدائل. إذا أردنا تقليل البلاستيك، يجب توفير بدائل مناسبة. وإذا أردنا أن يجمع الصياد المخلفات التي تخرج في شباكه، يجب توفير نقاط استقبال لها في الميناء أو المرسى. وإذا أردنا الإبلاغ عن التلوث، يجب أن يشعر المواطن أن بلاغه سيجد استجابة، لا أن يضيع في مسار بيروقراطي طويل.
ويمكن تطبيق مبادرات محلية مثل “المخلفات مقابل منفعة”، حيث يتم تشجيع الصيادين أو الأهالي على تسليم المخلفات البلاستيكية مقابل حوافز رمزية، أو أدوات صيد آمنة، أو خصومات على خدمات معينة، أو شهادات تقدير ومشاركة مجتمعية. مثل هذه المبادرات لا تحل المشكلة وحدها، لكنها تبني عادة جديدة وتؤكد أن للمخلفات قيمة إذا تم التعامل معها بطريقة صحيحة.


المحور الرابع: الملاحة والموانئ والتحول نحو ممارسات خضراء

الملاحة والموانئ تقع في قلب الاقتصاد الأزرق، خاصة في دولة مثل مصر تملك قناة السويس وموانئ مهمة على البحرين المتوسط والأحمر. فالميناء ليس مجرد نقطة تحميل وتفريغ، بل منظومة اقتصادية وبيئية متكاملة. وإذا كانت الموانئ تدعم التجارة وفرص العمل، فإنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة بيئية دقيقة حتى لا تتحول الأنشطة الملاحية إلى مصدر ضغط على البيئة البحرية.
ويبدأ هذا المحور بتعزيز الوعي بمفهوم “الميناء الأخضر”. والميناء الأخضر هو الميناء الذي يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والحماية البيئية. لا يكتفي بتسهيل حركة السفن والبضائع، بل يهتم بإدارة المخلفات، وتقليل الانبعاثات، وحماية جودة المياه، ورفع كفاءة الطاقة، والتعامل الآمن مع المواد الخطرة، وتدريب العاملين على الاستجابة لحوادث التلوث.
وتعد إدارة مخلفات السفن من أهم القضايا التي يجب التركيز عليها. فالسفن قد تنتج أنواعاً مختلفة من المخلفات، مثل المخلفات الصلبة، وبقايا الزيوت، ومياه الصرف، ومخلفات التشغيل. وإذا لم تتوفر مرافق استقبال مناسبة في الموانئ، أو لم تكن الإجراءات واضحة وسهلة، فقد يزيد خطر التخلص غير القانوني من المخلفات في البحر. لذلك يجب أن تتضمن التوعية شرحاً واضحاً لأهمية تسليم مخلفات السفن في المرافق المخصصة، وربط ذلك بحماية المصايد والشواطئ والسياحة.
كما يجب تناول موضوع مياه الاتزان، وهي المياه التي تستخدمها السفن للحفاظ على اتزانها أثناء الرحلات. قد تحمل هذه المياه كائنات دقيقة أو يرقات أو أنواعاً بحرية من منطقة إلى أخرى، مما قد يساهم في انتقال الأنواع الدخيلة. وهذه القضية ترتبط مباشرة بالمقال السابق حول الأنواع الغازية في البحر المتوسط والنيل والبحيرات المصرية. فالملاحة لا تنقل البضائع فقط، بل قد تنقل كائنات حية غير مرئية إذا لم تطبق إجراءات الإدارة والرقابة المناسبة.
ومن المهم أيضاً توعية العاملين في الموانئ وشركات الملاحة والطلاب البحريين بخطورة التلوث الزيتي، حتى لو كان بكميات صغيرة. فطبقة الزيت على سطح المياه قد تؤثر في تبادل الأكسجين، وتضر بالكائنات البحرية، وتشوه الشواطئ، وتؤثر على سمعة الميناء والمنطقة الساحلية. ويمكن تنظيم تدريبات محاكاة لحوادث التلوث، بحيث يعرف العاملون كيف يتصرفون بسرعة عند حدوث تسرب أو حادث بيئي.
ويجب ألا تقتصر التوعية على العاملين الرسميين، بل تشمل أيضاً مستخدمي المراسي واليخوت والمراكب السياحية والرحلات البحرية. فكثير من المخلفات البحرية قد يأتي من أنشطة ترفيهية أو سياحية إذا غابت الضوابط. لذلك يمكن وضع لافتات واضحة في المراسي، وتوزيع كتيبات مبسطة، وتشجيع المراكب السياحية على تبني مدونة سلوك بيئية تشمل عدم إلقاء المخلفات، تقليل البلاستيك، احترام الشعاب والموائل البحرية، والإبلاغ عن أي تلوث يتم رصده.
ومن المفيد أن يتبنى كل ميناء أو مرسى مبادرة سنوية بعنوان “ميناء بلا مخلفات بحرية” أو “مرسى صديق للبيئة”، تتضمن يوماً للتوعية، وحملة تنظيف، وتدريباً للعاملين، ونظاماً واضحاً لاستقبال المخلفات. ومع الوقت يمكن تحويل هذه المبادرات إلى معايير تقييم، بحيث تصبح السمعة البيئية للميناء أو المرسى جزءاً من صورته العامة.


المحور الخامس: الرصد والمشاركة المجتمعية والإنذار المبكر
 

لا يمكن حماية المياه دون معلومات. فالتلوث الذي لا يتم رصده في الوقت المناسب قد يتحول إلى أزمة، والظواهر البيئية التي لا يتم تسجيلها قد تتكرر دون فهم، والمخلفات التي تتراكم في منطقة معينة قد تكشف عن مصدر مستمر يحتاج إلى تدخل. لذلك يعد الرصد والمشاركة المجتمعية من أهم محاور تحويل الاقتصاد الأزرق إلى ممارسة عملية.
المقصود بالرصد هنا ليس فقط الرصد العلمي المعقد الذي تقوم به المعامل والجهات البحثية، بل أيضاً الرصد المجتمعي البسيط الذي يشارك فيه المواطنون والصيادون والطلاب والعاملون في الموانئ. فكل شخص يرى تغيراً غير طبيعي في المياه يمكن أن يكون جزءاً من نظام إنذار مبكر، إذا توفرت له وسيلة سهلة وآمنة للإبلاغ.
يمكن إنشاء آلية بسيطة للإبلاغ عن التلوث أو تراكم المخلفات أو نفوق الأسماك أو ظهور كائنات غريبة. قد تكون هذه الآلية تطبيقاً إلكترونياً، أو رقم واتساب مخصصاً، أو منصة إلكترونية، أو حتى نموذجاً مبسطاً تستخدمه الجمعيات المحلية. المهم أن تكون سهلة الاستخدام، وأن تسمح بإرسال صورة وموقع ووصف مختصر. كما يجب أن يتلقى المبلغ رسالة تؤكد استلام البلاغ، حتى يشعر أن مشاركته ذات قيمة.
وينبغي ربط هذه البلاغات بالجهات المختصة والباحثين. فالمواطن لا يستطيع وحده تحليل سبب نفوق الأسماك أو تحديد نوع كائن غريب، لكنه يستطيع أن يلفت الانتباه مبكراً. وبعد ذلك يأتي دور الجهات العلمية والتنفيذية في التحقق والتحليل والاستجابة. وبهذا تتحول المشاركة المجتمعية إلى حلقة ضمن نظام متكامل، لا إلى جهد عشوائي.
ويمكن إعداد خريطة تفاعلية للمشكلات البيئية، توضح المناطق التي تتكرر فيها البلاغات عن المخلفات أو التلوث أو الظواهر غير المعتادة. هذه الخريطة يمكن أن تساعد في تحديد الأولويات: أين نحتاج إلى حملة تنظيف؟ أين توجد مشكلة صرف؟ أين تتكرر بقع الزيت؟ أين تظهر الأنواع الدخيلة؟ وأين يجب توجيه فرق الرصد أو التوعية؟
كما يمكن إشراك المدارس والجامعات في الرصد المبسط من خلال أنشطة دورية. على سبيل المثال، يمكن للطلاب إجراء “مسح مخلفات” على جزء من شاطئ أو ضفة نهرية، مع تصنيف المخلفات إلى بلاستيك، زجاج، معدن، بقايا صيد، أو مخلفات أخرى. وبعد تكرار النشاط عدة مرات، يمكن مقارنة النتائج ومعرفة هل تقل المخلفات أم تزيد، وما النوع الأكثر انتشاراً. هذا النوع من النشاط يعلم الطلاب التفكير العلمي، وفي الوقت نفسه يخدم المجتمع.
ومن المهم وضع بروتوكول واضح للتعامل مع البلاغات. فليس كل بلاغ يحتاج إلى استجابة عاجلة، لكن بعض البلاغات قد تكون خطيرة، مثل نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، أو تسرب زيتي، أو تغير مفاجئ في لون المياه، أو وجود مخلفات خطرة. لذلك يجب تصنيف البلاغات حسب درجة الخطورة، وتحديد الجهة المسؤولة عن المتابعة، والمدة الزمنية المناسبة للاستجابة.
ويجب أن تكون نتائج الرصد متاحة للجمهور بطريقة مبسطة. فالمواطن الذي يشارك في الإبلاغ يريد أن يعرف ماذا حدث بعد بلاغه. لذلك يمكن إصدار تقرير شهري أو ربع سنوي مبسط يوضح عدد البلاغات، وأنواعها، والمناطق الأكثر تكراراً، والإجراءات التي تم اتخاذها. هذه الشفافية تبني الثقة وتشجع الناس على الاستمرار في المشاركة.


تكامل المحاور: من حملة توعية إلى ثقافة وطنية
إن قوة هذا البرنامج لا تكمن في كل محور منفرداً، بل في تكامل المحاور الخمسة. فالمعرفة العامة تخلق الفهم، والمدارس والجامعات تبني جيلاً واعياً، والصيادون والمجتمعات المحلية يقدمون الخبرة والمراقبة اليومية، والموانئ والملاحة تطبق المسؤولية البيئية في قلب النشاط الاقتصادي، والرصد المجتمعي يحول المواطنين إلى شركاء في الإنذار المبكر.
وعندما تتكامل هذه المحاور، يصبح الاقتصاد الأزرق ممارسة يومية. يصبح الطالب أكثر حرصاً على نظافة الشاطئ، والصياد أكثر اهتماماً باستدامة المصيد، والميناء أكثر التزاماً بإدارة المخلفات، والمواطن أكثر وعياً بخطورة البلاستيك، والباحث أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع، وصانع القرار أكثر قدرة على التدخل بناءً على بيانات وملاحظات حقيقية.
ولا بد أن يكون لهذا البرنامج إطار زمني واضح. يمكن أن يبدأ بمرحلة تجريبية في محافظة ساحلية أو نيلية، مثل الإسكندرية أو دمياط أو كفر الشيخ أو بورسعيد أو أسوان، ثم يتم تقييم النتائج وتطوير الأدوات قبل التوسع إلى مناطق أخرى. فالنجاح في منطقة واحدة يمكن أن يقدم نموذجاً قابلاً للتكرار، خاصة إذا تم توثيق الدروس المستفادة والتحديات والحلول.
كما يمكن قياس نجاح البرنامج من خلال مؤشرات بسيطة، مثل عدد المشاركين في حملات التوعية، عدد المدارس والجامعات المشاركة، كمية المخلفات التي تم جمعها، عدد الصيادين الذين تلقوا تدريباً، عدد البلاغات البيئية التي تم استقبالها، سرعة الاستجابة للبلاغات، وعدد المبادرات الشبابية التي تم إطلاقها. وجود هذه المؤشرات يجعل البرنامج قابلاً للتقييم والمراجعة، ويمنحه مصداقية أمام الشركاء والجهات الداعمة.
وفي النهاية، فإن تحويل الاقتصاد الأزرق من مفهوم إلى ممارسة لا يحتاج فقط إلى تمويل أو قوانين، بل يحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير. يجب أن ننتقل من التعامل مع المياه كمورد نستخدمه فقط، إلى التعامل معها كنظام حي يجب أن نحافظ عليه. وأن ننتقل من انتظار الحلول من جهة واحدة، إلى بناء مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والبحثية والملاحية.
فالاقتصاد الأزرق يبدأ بفكرة، لكنه لا ينجح إلا عندما يتحول إلى سلوك. يبدأ في المقالات والندوات، لكنه يثبت وجوده في المدرسة والميناء ومركب الصيد والشارع والشاطئ. وإذا نجحنا في بناء هذا الوعي، فإن حماية النيل والبحر والبحيرات لن تكون مجرد حملة مؤقتة، بل ثقافة وطنية مستمرة تحمي صحة الإنسان، وتدعم رزق الصيادين، وتعزز مكانة مصر البحرية، وتفتح الباب أمام مستقبل أكثر استدامة.

خاتمة: الماء أمانة لا مورد فقط

إن الاقتصاد الأزرق في مصر ليس رفاهية فكرية ولا شعاراً جديداً، بل ضرورة وطنية. فهو يرتبط بأمننا الغذائي، وصحة أطفالنا، ورزق الصيادين، ومستقبل الموانئ، وجاذبية السياحة، وقدرة الدولة على مواجهة تغير المناخ.
إذا أردنا ثروة سمكية مستدامة، فعلينا أن نبدأ من جودة المياه. وإذا أردنا موانئ قوية، فعلينا أن نجعلها موانئ مسؤولة بيئياً. وإذا أردنا شواطئ جاذبة، فعلينا أن نمنع البلاستيك من الوصول إليها. وإذا أردنا أن يبقى النيل رمزاً للحياة، فعلينا أن نتعامل معه كأمانة لا كمصرف للمخلفات.
إن حماية المياه تبدأ من الدولة، لكنها لا تنجح إلا بالمجتمع. تبدأ بالقانون، لكنها تكتمل بالسلوك. تبدأ بالعلم، لكنها تحتاج إلى وعي الناس. ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين المؤسسات العلمية والتنموية والملاحية والمجتمعية لنشر ثقافة جديدة: ثقافة ترى في النيل والبحر والبحيرات أساساً للحياة، لا مجرد موارد قابلة للاستهلاك.
فالماء الذي منح مصر تاريخها، قادر أن يمنحها مستقبلاً أكثر استدامة. لكن هذا المستقبل لن يتحقق إلا إذا أدركنا جميعاً أن كل قطرة ماء نظيفة، وكل سمكة سليمة، وكل شاطئ خالٍ من المخلفات، هي جزء من اقتصاد أزرق حقيقي يحمي الإنسان والطبيعة معاً.


مراجع ومصادر البيانات المقترحة للمراجعة
• FAO، The State of World Fisheries and Aquaculture 2024 (SOFIA 2024): أورد التقرير أن الإنتاج العالمي من المصايد والاستزراع المائي بلغ 223. 2 مليون طن عام 2022، وأن إنتاج الاستزراع المائي للحيوانات المائية تجاوز المصايد الطبيعية لأول مرة.
• WorldFish، Egypt Country Profile: يشير إلى أن مصر أكبر منتج للاستزراع السمكي في أفريقيا، وأن الاستزراع يمثل نحو 80% من إنتاج الأسماك في مصر، ويوفر قرابة 300، 000 فرصة عمل.
• USDA Foreign Agricultural Service، Egyptian Aquaculture Industry - 2025 Update: يؤكد أن مصر تنتج قرابة مليوني طن من الأسماك سنوياً، وأن الاستزراع السمكي يمثل نحو 80% من الإنتاج.
• UNEP/MAP، Pollution in the Mediterranean: يقدر دخول نحو 730 طناً من المخلفات البلاستيكية إلى البحر المتوسط يومياً، وأن البلاستيك يشكل 95-100% من المخلفات العائمة.
• World Bank، Egypt Country Environmental Analysis: Promoting Circular Economy and Blue Economy for Environmental Sustainability: يحدد الاقتصاد الأزرق والإدارة المستدامة للمناطق الساحلية ضمن أولويات الاستدامة البيئية في مصر.
 

الأنواع الدخيلة الغازية في البحر المتوسط والنيل والبحيرات المصرية: تهديدات خفية للتنوّع الحيوي وسبل العيش

صورة توضيحية عن الأنواع الغازية في مصر.

Arab Institute for Navigation

على الساحل المصري للبحر المتوسط، قد تظهر المؤشرات دون إنذار. شاطئٌ كان طبيعيًا قبل أيام قد يتحوّل فجأة إلى مساحة مكتظّة بقناديل البحر. وطاقمُ صيدٍ يعود بشباكٍ «غير معتادة» — ليس لأنها امتلأت بالأسماك، بل لأنها انسدّت وتمزّقت وأصبح تنظيفها أبطأ وأصعب. وفي الداخل، بعيدًا عن البحر، قد تُغطّي نباتاتٌ مائية كثيفة ترعةً تُغذّي الحقول والقرى، فتحجب الضوء، وتحتجز المخلفات، وتُبطّئ حركة المياه إلى حدٍّ يُربك عمل الطلمبات. هذه ليست قصصًا منفصلة، بل لقطات من تحدٍّ أكبر يتسارع على نحوٍ مقلق: الأنواع الدخيلة الغازية.



الأنواع الدخيلة الغازية باتت ضغطًا متزايدًا على البحر المتوسط ونهر النيل وبحيرات مصر، مدفوعةً بالنقل البحري، والاستزراع السمكي، وتجارة أحواض الزينة وبالتغيّرات البيئية مثل ارتفاع حرارة المياه وتبدّل الملوحة. وتتجسّد الآثار بشكلٍ عملي ومباشر؛ فبعض الأسماك الدخيلة وقناديل البحر والنباتات المائية والآفات قد تنتشر سريعًا، وتُزاحم الأنواع المحلية، وتتسبّب في تلف معدات الصيد والبنية التحتية، وتُربك الشبكات الغذائية، وترفع كلفة الإنتاج على الصيادين والمزارعين. 
يتتبّع هذا التقرير مسارات دخول هذه الأنواع من البحر إلى النهر إلى البحيرات، ويطرح أسئلة باتت المجتمعات المصرية تلمسها يوميًا: كيف بدأ الأمر؟ ماذا فعل بقطاع الصيد—هل هو ضررٌ خالص أم قد يتحوّل أحيانًا إلى مورد؟ ما دور السكان المحليين والصيادين والدولة؟ وكيف يجعل الاحترار العالمي البيئة أكثر ملاءمةً للغزو الحيوي؟ والأهم: كيف نُخفّف الضرر قبل أن يصبح هذا «الوضع الطبيعي الجديد»؟
 

ماذا نعني بـ«الأنواع الدخيلة الغازية» ولماذا يهمّنا الأمر في مصر الآن؟
ليست كل الأنواع الوافدة «غازية» بالمعنى البيئي. فوفق اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، يُعرَّف النوع الدخيل الغازي بأنه نوعٌ دخيل يؤدي إدخاله و/أو انتشاره إلى تهديد التنوع البيولوجي. والخطر هنا لا يقتصر على البيئة؛ إذ تشير تقارير «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES) إلى تسجيل أكثر من 37 ألف نوع دخيل عالميًا بفعل الأنشطة البشرية، وأن الأنواع الدخيلة الغازية تُحدث آثارًا شديدة على الطبيعة والاقتصاد والأمن الغذائي والصحة، مع كلفة اقتصادية سنوية تتجاوز 423 مليار دولار أمريكي.  
أما في مصر، فإن هذا التحوّل العالمي يصبح محليًا بسبب ترابط أنظمتنا المائية وكثافة استخدامها وموقعنا الاستراتيجي فالموانئ وخطوط الملاحة تمنح فرصًا اقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تفتح بابًا دائمًا لانتقال الكائنات الحية عبر مياه الاتزان (مياه الصابورة Ballast Water) أو عبر التصاقها بهياكل السفن. ومزارع الأسماك تدعم الأمن الغذائي لكنها قد تتحوّل — دون قصد — إلى نقاط انطلاق إذا حدثت تسريبات أو هروب للكائنات. وحتى إطلاق أسماك الزينة في الترع أو المصارف يبدو «تصرفًا صغيرًا»، لكنه في بيئة دافئة ومحميّة قد يتحوّل إلى وجودٍ دائم يصعب التخلص منه.
 

كيف بدأ وانتشر الغزو الحيوي في مصر: ممرّات وناقلات وقرارات
قصة الأنواع الغازية في مصر ليست قصة واحدة، بل مسارات دخول متعددة تداخلت مع الزمن—بعضها غير مقصود، وبعضها يرتبط بالتجارة، وبعضها يتأثر بالبنية التحتية وتغيرات البيئة. 
أشهر هذه الممرّات هو قناة السويس. فمنذ افتتاحها عام 1869، أتاحت القناة انتقال أنواع بحرية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وهي ظاهرة تُناقَش في الأدبيات العلمية بوصفها «الهجرة الليسبسية Lessepsian migration. » ومع ارتفاع حرارة البحر، يزداد تأثير هذا المسار؛ لأن بعض الأنواع الدافئة التي كانت تجد صعوبة في التأقلم مع متوسطٍ أبرد أصبحت تجد ظروفًا أقرب إلى بيئتها الأصلية. 

ويأتي النقل البحري كضغطٍ ثابت ومتواصل. فقد نبّهت المنظمة البحرية الدولية منذ عقود إلى أن مياه الاتزان (الصابورة) قد تنقل كائناتٍ مائية ضارة ومسببات أمراض عبر المحيطات، وجاءت اتفاقية إدارة مياه الاتزان (BWM) للحد من هذا المسار. ووفق الوثائق الرسمية للمنظمة، انضمت مصر إلى اتفاقية في 18 مايو 2007. وهذا مهم لأن قواعد مياه الاتزان ليست تنظيرًا، بل من أقوى أدوات الوقاية إذا طُبّقت بصرامة في الموانئ.
أما غزو المياه العذبة فله تاريخ مختلف. «ورد النيل Water hyacinth- » مثالٌ بارز. فقد وثّقت دراسةٌ كلاسيكية عن نظام 
النيل أن ورد النيل لم يصل إلى مستويات الاجتياح الواسع إلا بعد تغيّراتٍ بيئية شجّعت نموّه وانتشاره عبر موائل النهر. وتشير أعمال لاحقة إلى إدخاله بوصفه نباتًا للزينة في مصر بين عامي 1879 و1892، في مثالٍ واضح على كيف يمكن لمدخلات «تجميلية» أن تتحوّل إلى عبءٍ مائي وبيئي واسع. 
وفي حالات أخرى ارتبط الإدخال بخياراتٍ إنتاجية مباشرة. فالجراد البحيري الأحمر (Red swamp crayfish) واسمه العلمي   Procambarus clarkii يُوصف في بحثٍ حديث بأنه نوع شديد الغزو أُدخل إلى النظم العذبة في مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي لأغراض الاستزراع. وبعد أن استقر، انتشر إلى مناطق واسعة، وأصبح احتواؤه بالغ الصعوبة.

وأحيانًا لا تلتقط “بداية القصة” محطةُ رصد رسمية، بل يلتقطها الناس. ففي مياه مصر المتوسطية، وثّقت ورقة علمية أن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي كشفت أولى تسجيلات سمكة الأسد الغازية (Pterois miles) في مصر، بما في ذلك فردٌ اصطيد بالرمح قبالة مرسى مطروح عام 2018. وهذه ليست تفصيلةً هامشية؛ بل دليل على سرعة الانتشار، وعلى أن “رصد المواطن” أصبح جزءًا واقعيًا من أدوات الكشف المبكر.


ماذا فعلت هذه الظاهرة بقطاع الصيد في مصر: اضطرابٌ غالبًا… وفرصٌ أحيانًا
بالنسبة لقطاع الصيد، يمكن فهم الأنواع الغازية بوصفها عاملًا يُغيّر قواعد اللعبة: ما الذي يُصاد، وأين، وبأي كلفة، وما الذي يقبله السوق. ويشير المقال بوضوح إلى آثارٍ ملموسة مثل تلف معدات الصيد، واضطراب الشبكات الغذائية وزيادة التكاليف على الصيادين.

غالبًا يبدأ الضرر على هيئة «احتكاك يومي»: وقتٌ مفقود، وجهدٌ إضافي، ومعداتٌ تتضرر. وعلى ساحل المتوسط، يُعدّ قنديل البحر «الرحّالة» (Rhopilema nomadica) مثالًا واضحًا. فقد درست ورقةٌ علمية ازدهاره على الساحل المصري للمتوسط، ورصدت أعدادًا ضخمة خلال صيف 2015، وناقشت الظاهرة لتقييم أثرها على المصايد والسياحة وعندما تسدّ القناديل الشباك وتزيد زمن التنظيف، فإنها تقلل كفاءة الرحلة وترفع الكلفة، وتمتد الخسارة إلى الشواطئ والخدمات الساحلية.


وفي المياه العذبة، قد تُضعف النباتات الغازية المصايد بشكلٍ غير مباشر عبر تدهور الموائل وتباطؤ حركة المياه. ويؤكد بحث نظام النيل أن ورد النيل انتشر حين تهيأت الظروف البيئية، ثم تمدد عبر موائل متعددة. وعندما تتكوّن حصائر نباتية كثيفة، قد ينخفض الأكسجين وتتغير مناطق الحضانة، كما يُصبح الوصول إلى مناطق الصيد أصعب وأكثر تقييدًا.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست سلبية بالكامل — وتجاهل هذا التعقيد قد يؤدي إلى سياسات غير واقعية. فالجراد البحيري الأحمر يوضح ذلك؛ إذ تشير دراسات مصرية إلى أنه بعد سنوات من الآثار السلبية الناتجة عن إدخاله، أصبح من الأنواع ذات الأهمية التجارية. هذا التحول من «مصدر ضرر» إلى «مصدر دخل» قد يدفع البعض إلى رؤية الأنواع الغازية كفرصة. لكن المقايضة قائمة: قد يكون النوع مربحًا وفي الوقت نفسه يضر التنوع الحيوي، ويزاحم الأنواع المحلية ويغيّر الشبكات الغذائية على نحوٍ يُضعف قدرة النظام البيئي على التعافي.

وعلى المستوى البحري، ترى دراسات حديثة أن بعض الأنواع الليسبسية في شرق المتوسط، في ظل التغير المناخي وتراجع التنوع، قد تُسهم في الحفاظ على بعض وظائف النظام البيئي وخدماته، وقد تُقدّم منفعةً للمصايد تحت ظروف معينة. هذا لا يعني أن «الغازي جيد»، بل يعني أن الإدارة تحتاج إلى تمييزٍ واقعي بين أنواعٍ عالية الضرر يجب احتواؤها، وأنواعٍ ترسّخت ويجب إدارتها، وأنواعٍ تحولت إلى موردٍ اقتصادي يستلزم تنظيمًا دقيقًا بدل إنكار وجودها.  


العامل البشري: دور السكان المحليين والصيادين والحكومة
يرتكز المقال على فكرة محورية: لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالعلم أو الوزارات وحدها. التوعية يجب أن تتحول إلى سلوك يومي، وإبلاغٍ مبكر، وتطبيقٍ فعّال للسياسات.
بالنسبة للمجتمعات المحلية، يبدأ الدور الأقوى من البيت والحي. إطلاق أسماك الزينة أو نباتات الأحواض في الترع والمصارف قد يبدو تصرفًا «رحيمًا»، لكنه أحد المسارات المعروفة للغزو الحيوي. كثيرٌ من الغزوات تبدأ صغيرة ومتكررة ويصعب تتبعها، ثم تتراكم حتى تصبح تكلفةً عامة على الري والصيد وصحة البيئة. وحين تدرك الأسر أن «إطلاقًا واحدًا» قد يتحوّل إلى عبء طويل الأمد، يتغير السلوك تلقائيًا لأن المنع يصبح حمايةً للذات وللمجتمع.

أما الصيادون، فدورهم يتجلى في محورين متلازمين: الحد من الانتشار، وتعزيز الكشف المبكر. الصيادون ومشغلو القوارب يتحركون عبر الأنظمة المائية أكثر من غيرهم؛ وهذا يجعلهم أول المتأثرين، لكنه يجعلهم أيضًا أكثر قدرة على ملاحظة التغير. ويؤكد المقال أهمية إرشادات الإبلاغ المجتمعي ودور السلطات المحلية في الكشف المبكر.
عمليًا، هذا يعني ثقافةً مهنية تجعل الصيد غير المألوف أو «الازدهارات» المفاجئة موثّقة بالصور والموقع والتوقيت، بدل أن تُفسَّر على أنها «ظرف عابر».
أما الحكومة، فدورها هو جعل الوقاية والاستجابة ممكنتين على نطاق واسع. فالموانئ ليست بوابات اقتصادية فقط؛ بل بوابات بيولوجية أيضًا. إطار المنظمة البحرية الدولية لإدارة مياه الاتزان يوضح أن مخاطر النقل العالمي يمكن خفضها، لكن ذلك يرتبط بالرقابة والتفتيش والامتثال والتنفيذ. كما ينبغي أن تُعامل سياسات المصايد والاستزراع السمكي الأمنَ الحيوي بوصفه جزءًا من الإنتاجية لا «ترفًا بيئيًا». وقصة الجراد البحيري — الذي أُدخل للاستزراع ثم انتشر — تُظهر ما الذي يحدث حين تتقدم أهداف الإنتاج على إجراءات الاحتواء.

الاحترار العالمي: المُسرِّع الذي يجعل الغزو الحيوي أصعب
تتغير مياه مصر بالفعل. ويذكر أن بيئات مصر البحرية والعذبة أصبحت أكثر تعرضًا بفعل تغيرات حرارة المياه والملوحة، إلى جانب النقل والتجارة.
ويعمل تغير المناخ كمُسرِّع على ثلاثة مستويات متداخلة.
أولًا، يؤدي ارتفاع حرارة البحر إلى ما تصفه منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بـ«التحوّل نحو المدارية» في البحر المتوسط (tropicalization)، مع الإشارة إلى أن كثيرًا من الأنواع تتحرك أيضًا عبر مسارات الشحن وقناة السويس، ملتصقةً بهياكل السفن أو محمولةً في مياه الاتزان. ومع ارتفاع الحرارة، تتراجع «حواجز البرودة» التي كانت تحدّ من بقاء بعض الأنواع الوافدة.
ثانيًا، يتفاعل الاحترار مع ممر قناة السويس، حيث تناقش أعمال علمية كيف أسست القناة لتبادلٍ بيولوجي واسع، وكيف يُضخّم ارتفاع الحرارة من ديناميكيات الهجرة الليسبسية.
ثالثًا، يُضعف الإجهاد المناخي مقاومة الأنظمة البيئية. تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة تضع الأنواع الدخيلة الغازية ضمن المحركات المباشرة الرئيسة لفقدان التنوع، وتُبرز أن تغيّر المناخ جزءٌ من سياق ضاغط يجعل النظم أكثر هشاشة أمام الغزو. وبعبارة أبسط: حين تكون البيئة متعبة من حرارة وتلوث وتدهور موائل، يصبح الاستيطان أسهل للغازي، والتعافي أصعب للمحلي.

كيف نُخفّف الضرر: سلسلة دفاعات لا «حلّ واحد»
من الضروري قول الحقيقة كما هي: لا توجد “ضربة واحدة” تنهي المشكلة. ما ينجح هو سلسلة دفاعات تبدأ قبل وصول النوع الغازي وتستمر بعد استقراره. ويعرض المقترح هذه السلسلة في صورة حلول عملية: رصد، واستجابة سريعة، وأمن حيوي في الموانئ والمزارع، ومشاركة مجتمعية، وسلوكيات وقائية قابلة للتطبيق.
تبدأ السلسلة بالمنع، لأن أرخص غزو هو الذي لا يحدث. وفي البحر، يعني هذا التعامل مع مياه الاتزان والتلوث الحيوي على هياكل السفن باعتبارهما قضايا أمنٍ حيوي وليستا مجرد إجراءات ورقية. وتوضح وثائق المنظمة البحرية الدولية أن مياه الاتزان قد تنقل كائنات ضارة، وأن تطبيق اتفاقية BWM يهدف إلى تقليل هذا النقل. كما تُظهر الوثائق أن الإطار التنظيمي موجود؛ ويبقى السؤال حول قوة التنفيذ واتساقه في الموانئ.

ثم يأتي الكشف المبكر والاستجابة السريعة، لأن الزمن هو الفارق بين حادثٍ يمكن احتواؤه وغزوٍ يصبح دائمًا. تركيز المقترح على الإبلاغ المجتمعي ليس” إضافة لطيفة“، بل إحدى الأدوات القليلة القابلة للتوسع عبر ساحل طويل وشبكة مياه داخلية واسعة.
وتُظهر قصة توثيق سمكة الأسد عبر وسائل التواصل أن رصد المواطنين يحدث بالفعل؛ المطلوب هو قناة موثوقة تُحوّل الرصد إلى تحققٍ علمي ثم قرارٍ عملي.

وتتطلب السلسلة كذلك تعزيز الأمن الحيوي في الاستزراع السمكي وفي المجاري المائية الداخلية. حالة الجراد البحيري تُبيّن لماذا الاحتواء مهم: بعد استقرار النوع، تنتقل الإدارة من «منع» إلى «تحكّم طويل الأمد» يكون مكلفًا، ونادرًا ما ينجح في الإزالة الكاملة. وبالمثل، فإن تاريخ ورد النيل في نظام النيل يوضح أن التحكم لا ينجح بالإزالة وحدها، بل يجب معالجة الظروف التي تُغذي الانفجار، مثل بطء التدفق، وارتفاع المغذّيات، واضطراب الموائل.
كما تتطلب إدارة الغزو الحيوي قدرًا من الواقعية الاقتصادية. بعض الأنواع الدخيلة ستصبح جزءًا من السوق، سواء أحببنا ذلك أم لا. وقد أصبح الجراد البحيري الأحمر (Procambarus clarkii) — وفق دراسات مصرية — ذا أهمية تجارية بعد سنوات من الأثر السلبي. الاستجابة الصحيحة ليست تجاهل السوق، بل تنظيمه: منع نقل الكائنات بطرقٍ تشجع انتشارها، ووضع ممارسات نقل وتداول آمنة، وربط النشاط التجاري بالرصد البيئي حتى لا يتحول «الربح» إلى «تصريح» غير معلن للتوسع.
وأخيرًا، لا بد من تخطيطٍ “ذكي مناخيًا”. الاحترار يجعل الغزو أسهل، وبالتالي يجب التعامل مع إدارة الأنواع الغازية كجزءٍ من التكيف المناخي لا كملف منفصل. وصف FAO لبحرٍ متوسط يتجه نحو المدارية هو تحذير بأن خرائط اليوم ليست خط الأساس لغدٍ قريب. وهذا يعني أن أولويات الرصد ستتغير، وأن خرائط المخاطر يجب أن تُحدّث، وأن التنسيق بين المصايد والري والبحث العلمي والمجتمعات المحلية ينبغي أن يصبح أسرع وأكثر تكاملًا.
الخلاصة: التوعية ليست نهاية الطريق، بل بداية التنسيق
غالبًا ما تُناقش الأنواع الغازية بلغة تقنية، لكن آثارها في مصر عملية: شباكٌ تتلف، وقنواتٌ تُسد، ومصايدٌ تتبدل، ومخاطرٌ جديدة، وتكاليفٌ تتصاعد. السبب الذي يجعل هذا الموضوع يستحق اهتمامًا عامًا—كما يؤكد المقال—هو أن الحلول أيضًا تعتمد على سلوك المجتمع، وعلى الإبلاغ المبكر، وعلى تنفيذ سياسات واقعية على الأرض.

مياه مصر قادرة على الصمود، لكنها ليست بلا حدود. ومع تسارع تغير المناخ وبقاء مسارات الدخول مفتوحة، لن يكون السؤال: هل ستصل أنواع جديدة؟ بل السؤال الحقيقي: هل نستطيع اكتشافها مبكرًا، واحتواءها بذكاء، وتقليل ضررها عبر مسؤولية مشتركة؟ عندما تمنع المجتمعات المحلية الإطلاقات العشوائية، وعندما يعمل الصيادون كشركاء إنذار مبكر بدل أن يُتركوا ضحايا منفردين، وعندما تُقوّي الدولة الرقابة والاستجابة السريعة، يصبح خطر الأنواع الدخيلة الغازية خطرًا مُدارًا بدلًا من أن يتحول إلى قدرٍ محتوم.

 


زراعة الأسطح للأشخاص ذوي الإعاقات البصرية

يتضمن هذا المقال الإلكتروني سلسلة من المنشورات التثقيفية حول زراعة الأسطح للأشخاص ذوي الإعاقات البصرية.

يتناول المقال المواضيع التالية:

• زراعة الأسطح كبوابة للتمكين والاستقلال الاقتصادي
• زراعة الأسطح وتأثيرها على البيئة (الاستدامة)
• البستنة المجتمعية كأرض خصبة للاندماج الاجتماعي
• زراعة الأسطح من البذرة إلى الحصاد

الزراعة ليست مرتبطة بالبصر، لكنها إحساس ولمس وروائح وفضول وصبر.  
الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية قادرون على أن يزرعوا ويرووا ويحصدوا بسهولة من خلال أدوات وروتين بسيط.
عندما تصبح الأسطح خضراء ومهيأة للجميع، نقدر ان ننمي ثقة واستقلال وفرحة وليس فقط نباتات.

كيف تعزز الزراعة على الأسطح الدمج؟ 

لا توفر زراعة الأسطح موارد قيّمة بأسعار معقولة فحسب، بل إنها تربط المجتمع ببعضه البعض وتسمح للأشخاص من جميع الخلفيات بمشاركة تجارب قيّمة.

 

زراعة النباتات فوق المدينة.
يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية دعم الاستدامة البيئية.  
تساعد الزراعة على أسطح المباني في تبريد المباني وتنقية الهواء وإعادة الطبيعة إلى المدن ودعم الحياة المستدامة.

هل تنمو النقود على الأشجار؟ 

هنا تنمو، فمن خلال زراعة الأسطح، يمكنك تحقيق دخل من بيع منتجات حديقتك على السطح.
وهذا يمنحك فرصة لا تضاهى لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.


تحويل الإسكندرية إلى ساحل خالٍ من البلاستيك: رؤية استراتيجية شاملة للإدارة المستدامة للنفايات البحرية

A picture inviting people to keep Alexandria's beaches clean from plastic.

البحر الذي نراه.. والبحر الذي نصنعه

ليست الإسكندرية مجرد مدينة تطل على البحر، بل هي حكاية إنسانية ممتدة عبر التاريخ. هنا، حيث التقى نهر النيل العظيم بالبحر المتوسط، نشأت واحدة من أعظم حواضر البشرية. لكن هذه اللوحة التاريخية البديعة باتت مهددة اليوم بفعل طوفان صامت من البلاستيك يغزو شواطئنا ويختنق به بحرنا.

تشير آخر تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (2023) إلى أن البحر المتوسط أصبح أحد أكثر بحار العالم تلوثاً بالبلاستيك، حيث يحتوي كل كيلومتر مربع على ما يقارب 570 ألف قطعة بلاستيكية طافية. والأكثر إثارة للقلق أن مصر تسهم بنحو 0.5 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنوياً، وفقاً لدراسات البنك الدولي، يجد كثير منها طريقه إلى البحر عبر المصارف ومجاري الأمطار.

تُظهر بيانات الشكل (1) أن عبوات المياه والمشروبات تمثل النسبة الأكبر من النفايات البلاستيكية على شواطئ الإسكندرية بنسبة 48%، تليها الأكياس والأغلفة البلاستيكية بنسبة 22%، ثم الأدوات البلاستيكية أحادية الاستخدام بنسبة 15%. هذه النسب تعكس أنماط الاستهلاك اليومي للمواطنين، وتؤكد أن الحلول يجب أن تركز على إيجاد بدائل لهذه المنتجات ذات الاستخدام الواحد. كما تشير النتائج إلى أن الحملات التوعوية يجب أن تستهدف بشكل خاص تخفيض استهلاك العبوات البلاستيكية والأكياس، حيث يمثلان معاً 70% من إجمالي النفايات البلاستيكية في المنطقة.


تشخيص الواقع: رحلة البلاستيك من يد الإنسان إلى أعماق البحر

لننظر معاً إلى دورة حياة البلاستيك في مدينتنا. تبدأ الرحلة من يد المستهلك: عبوة مياه تلقى من نافذة سيارة، كيس بلاستيك يحمله الهواء، بقايا أدوات بلاستيكية تترك على الشاطئ. تتحول هذه المخلفات عبر رياح الشمال ومساقط الأمطار إلى روافد صغيرة تتجمع في بحيرة مريوط، ثم تنتقل إلى البحر الأبيض المتوسط. المشكلة لا تقف عند حدود المنظر القبيح للنفايات الطافية، بل تتعداه إلى تحول البلاستيك إلى عدو خفي. يتفكك البلاستيك بفعل الأشعة فوق البنفسجية والأمواج إلى جزيئات دقيقة تعرف باسم "الميكروبلاستيك" - جزيئات أصغر من حبة السمك التي تأكلها الأسماك. لقد أصبحت هذه الجسيمات جزءاً لا يتجزأ من السلسلة الغذائية، حيث عُثر عليها في أسماك السردين التي تصطاد من مياه الإسكندرية، وفي الجمبري الذي نشتريه من الأسواق، وحتى في ملح البحر المستخرج من سواحلنا. وتقدّر الدراسات العلمية أن الإنسان يستهلك سنوياً ما يعادل بطاقة ائتمان من البلاستيك (حوالي 5 غرامات) من دون أن يدري.
تداعيات ثلاثية: عندما يهدد البلاستيك بيئتنا وصحتنا واقتصادنا
الضرر هنا متشابك ومعقد من الناحية البيئية، حيث تموت أكثر من 100 ألف كائن بحري سنوياً بسبب البلاستيك، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة. في البحر المتوسط تحديداً، أظهرت أبحاث جامعة بوليتكنيك كتالونيا أن 70% من السلاحف البحرية تحتوي على بقايا بلاستيكية في أمعائها. أما من الناحية الصحية، فتنتقل المواد السامة من البلاستيك إلى أنسجة الأسماك، ثم إلى جسم الإنسان. هذه المواد الكيميائية الخطرة تتراكم في الكبد والكلى، وقد تؤثر سلباً على الجهاز الهرموني والمناعي. كما أن حرق النفايات البلاستيكية في المكبات العشوائية يطلق غازات سامة تزيد من معدلات الربو وأمراض الجهاز التنفسي بين سكان المناطق الساحلية. وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن البحر الملوث لا يجذب السائح، والشباك المليئة بالنفايات لا تُدر رزقاً على الصياد. وتقدر الخسائر الاقتصادية لقطاعي السياحة والصيد في دول المتوسط بسبب التلوث البحري بأكثر من 700 مليون دولار سنوياً، مما يؤثر سلباً على اقتصاديات هذه الدول ومستوى معيشة مواطنيها.

الإسكندرية: لماذا هي المؤهلة لقيادة التغيير؟

تمثل الإسكندرية نموذجاً فريداً ومؤهلاً لقيادة التغيير البيئي في مصر، وذلك لعدة أسباب منها توفر البنية العلمية والبحثية المتطورة التي تضم جامعة الإسكندرية العريقة ومعهد علوم البحار والمصايد ومراكز بحثية متخصصة أخرى. كما تتميز بأهمية اقتصادية كبيرة حيث تسهم بنحو 15% من النفايات الحضرية في مصر، مما يجعلها ساحة مثالية للتجربة والتطبيق العملي. ولا ننسى الثقل التاريخي والثقافي الذي تمتلكه المدينة، حيث يشكل تراثها الثقافي والسياحي حافزاً قوياً للحفاظ على البيئة. هذا التنوع الفريد في المقومات يجعلها الموقع الأمثل لبدء ثورة بيئية حقيقية يمكن تعميمها لاحقاً على مختلف محافظات الجمهورية.

رؤية للتحول: استراتيجية متكاملة على أربعة محاور

على صعيد السياسات الذكية والتشريعات الداعمة، يمكن للإسكندرية أن تبدأ بإصدار لائحة محلية للحد من البلاستيك أحادي الاستخدام، تبدأ بحظر الأكياس البلاستيكية في المتاجر الكبرى، ثم تتوسع تدريجياً لتشمل جميع أنواع البلاستيك غير القابل لإعادة التدوير. كما يمكن فرض رسوم بيئية على الشركات المنتجة للبلاستيك، تستخدم في تمويل مشاريع إعادة التدوير. ولا بد من تقديم حوافز ضريبية للمصانع التي تنتج بدائل صديقة للبيئة، مما يشجع القطاع الخاص على التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
في مجال الاقتصاد الدائري الذي يحول النفايات إلى ثروة، يمكن تطبيق نموذج "الشراء مقابل النفايات" حيث يستطيع المواطن تسليم كيلوغرام من البلاستيك مقابل رصيد هاتفي أو خصم في فاتورة الكهرباء. هذا النظام أثبت نجاحه في العديد من الدول النامية. كما يمكن إنشاء مراكز جمع وفرز في كل حي، مع توفير وظائف خضراء للشباب في عمليات الجمع والفرز والمعالجة. ومن المهم تشجيع الشركات الناشئة في مجال إعادة التدوير والابتكار البيئي من خلال حاضنات الأعمال وتمويل المشاريع الصغيرة.

الـشكل (2) يوضّح مقارنة بين معدلات إعادة التدوير في عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي: إسبانيا، اليونان، تونس، مصر، ولبنان. يتبيّن من الرسم أن إسبانيا تتصدر القائمة بمعدل إعادة تدوير يبلغ حوالي 40%، تليها اليونان بنسبة 30%، ثم تونس بنسبة 25%، بينما تنخفض النسبة بشكل ملحوظ في مصر (12%) ولبنان (10%).
تشير هذه الأرقام إلى فجوة واضحة في تطبيق سياسات إدارة النفايات وإعادة التدوير بين الدول الأوروبية ودول جنوب المتوسط، مما يعكس الحاجة الملحّة إلى تطوير البنية التحتية الخاصة بإعادة التدوير في مصر والمنطقة عمومًا. إن رفع معدلات إعادة التدوير لا يقتصر على حماية البيئة فحسب، بل يساهم أيضًا في خلق فرص عمل جديدة وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية، مما يجعل من الاستثمار في هذا المجال خطوة استراتيجية نحو اقتصاد دائري ومستدام.

 

في مجال البحث العلمي والابتكار التكنولوجي، يمكن إنشاء مرصد للنفايات البحرية بجامعة الإسكندرية، يستخدم الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة لاكتشاف بقع التلوث ومتابعة حركتها. كما يمكن تطوير تطبيق إلكتروني متطور يسمح للمواطنين بالإبلاغ عن مواقع تراكم النفايات، مع إنشاء نظام استجابة سريعة للتعامل مع هذه البلاغات. ومن الضروري دعم المشاريع الطلابية الابتكارية لتحويل البلاستيك المستعمل إلى مواد بناء وألياف نسيجية ومواد أخرى مفيدة.
أما في مجال المشاركة المجتمعية والتمكين المحلي، فيمكن إشراف الجمعيات الأهلية مثل "إسكندرية بتتنفس" و"حماة الشواطئ" في برامج التوعية والتنظيف، مع توفير الدعم اللازم لها. كما يجب التركيز على دور المرأة في التغيير السلوكي وفرز النفايات المنزلية، من خلال برامج توعية مخصصة. ولا بد من إطلاق حملات توعية مكثفة في المدارس والجامعات، مثل حملات "إسكندرية من غير كيس" و"زجاجتي معايا"، لخلق جيل جديد واع بيئياً.

دروس مستفادة من العالم: نجاحات يمكننا البناء عليها

من التجارب الدولية الملهمة في هذا المجال، نجد أن رواندا أصبحت أنظف عاصمة في أفريقيا بعد حظر البلاستيك منذ عام 2008، حيث طبقت النظام بصرامة وفرضت عقوبات رادعة على المخالفين. أما في اليونان وإسبانيا، فقد تمكنا من خفض استهلاك الأكياس البلاستيكية بنسبة 80% خلال عامين فقط من خلال فرض رسوم بيئية مدروسة. وتأتي كوريا الجنوبية كنموذج متقدم في إدارة النفايات، حيث أنشأت نظام فرز متطوراً باستخدام أكياس شفافة مرقمة، مما سهل عملية المتابعة والمراقبة. هذه النماذج تثبت أن الحلول ممكنة ويمكن تكييفها مع الظروف المحلية للإسكندرية.

المواطن: حجر الزاوية في التغيير

من المهم أن ندرك أن أي خطة بيئية لا يمكن أن تنجح بدون وعي المواطن ومساهمته الفعالة. يمكن لحمولات توعوية بسيطة لكن مستدامة أن تغير السلوكيات بشكل جذري، كما أن إشراف الطلاب في أنشطة تنظيف الشواطئ يخلق جيلاً جديداً واعياً بيئياً. إنشاء يوم وطني لتنظيف الشواطئ يشارك فيه آلاف المتطوعين يمكن أن يحول العمل البيئي من مجرد نشاط موسمي إلى ثقافة مجتمعية راسخة. كما يمكن استحداث برامج تدريبية للمتطوعين على أساليب الفرز والتدوير، وتحويل العمل البيئي إلى فرصة لبناء المهارات.
يوضّح الشكل3 العلاقة بين مستوى وعي المجتمع ومعدلات التلوث البلاستيكي، حيث يُلاحظ أنه كلما ارتفع الوعي البيئي بين الأفراد، انخفضت نسبة النفايات البلاستيكية في البيئة. يشير ذلك إلى أن حملات التوعية والمبادرات المجتمعية تلعب دورًا محوريًا في الحد من استخدام البلاستيك وتعزيز السلوكيات المستدامة.




خاتمة: نحو عقد أزرق جديد

تمتلك الإسكندرية كل المقومات اللازمة لقيادة تحول بيئي حقيقي في مصر. فالوعي المجتمعي يتزايد، والأدوات العلمية متاحة، والدعم الدولي موجود. والبحر الذي احتضن المدينة عبر العصور يستحق منا أن نرد له بعض الجميل. كما يقول العالم المصري الدكتور مصطفى مراد: "البحر كائن حي يستحق التقدير.. أعطه نظافة يعطيك حياة." هذه ليست مجرد مبادرة بيئية عابرة، بل هي استثمار في مستقبلنا وأجيالنا القادمة. إنها فرصتنا التاريخية لنجعل من الإسكندرية نموذجاً إقليمياً يُحتذى به، ونرسل رسالة واضحة إلى العالم أن مصر جادة في حماية تراثها الطبيعي والحضاري. لنجعل من الإسكندرية أول مدينة مصرية تعلن للعالم: "وداعاً للبلاستيك.. وأهلاً بمستقبل أخضر."


 


إدارة النفايات وإعادة التدوير

يتضمن هذا المقال الإلكتروني سلسلة من المنشورات التوعوية حول أهمية إدارة النفايات وإعادة التدوير.

المقال الأول موجه للأسر.

المقال الثاني موجه لأطفال المدارس.

المقال الثالث موجه لموظفي الصناعة.

المقال الثالث موجه للجمهور مع التركيز على حماية نهر النيل.

A picture on the negative effect of not sorting household wastes.

ترمي العديد من الأسر جميع نفاياتها في حاوية واحدة. وهذا يُسبب مشكلة كبيرة: إذ يُمكن إعادة تدوير أو استخدام ما يصل إلى (60-80%) من هذه النفايات، ولكنها بدلاً من ذلك تنتهي في مكبات النفايات حيث تُلحق الضرر بالبيئة. تُلوث النفايات المختلطة المواد القابلة لإعادة التدوير، مما يُصعّب استعادتها. كما يُمكن للنفايات الخطرة، مثل زيت الطهي المُستعمل والبطاريات، أن تُسرّب السموم إلى التربة والمياه، مما يُؤثر على النظم البيئية وصحة الإنسان.

يبدأ الحل من المنزل.

يُمكن للعادات اليومية البسيطة أن تُحدث فرقًا كبيرًا:

- افصل نفايات الطعام عن النفايات الجافة - فهذا يُحافظ على نظافة المواد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك والمعادن والزجاج.

- قلّل من استخدام الأكياس البلاستيكية عن طريق التحول إلى أكياس قابلة لإعادة الاستخدام، وأعد استخدام الأشياء.

من خلال تحمّل مسؤولية نفاياتنا المنزلية، يُمكننا تقليل تلوث مكبات النفايات، وحماية البيئة، وتوفير المال.

هذه الإجراءات الصغيرة تُساهم في خلق منازل أنظف وتُعلّم الجيل القادم عادات قيّمة.

انضم إلى #تحدي_الحاويتين_المزدوجتين

التقط صورة لحاويتين منفصلتين في مطبخك وشاركها مع أصدقائك. علّم أطفالك المشاركة أيضًا!

A picture stating that a clean school means a better learning environment.

 تُشكّل النفايات في المدارس مصدر قلق متزايد، لا سيما من خلال عبوات الطعام، ونفايات الورق، والبلاستيك أحادي الاستخدام. قد تتجاوز كمية النفايات لكل مدرسة 10-20 كجم يوميًا، حسب حجم المدرسة، ومع الأخذ في الاعتبار تقديرات توليد النفايات للفرد الواحد يوميًا. غالبًا ما يتم التخلص من الكثير من هذه النفايات - مثل الزجاجات والأغلفة وبقايا الطعام - بشكل غير سليم، فينتهي بها المطاف على الأرض أو في صناديق النفايات المختلطة.

قد تعود القمامة التي تتخلص منها اليوم في شكل مياه ملوثة، أو مصارف مسدودة، أو أغذية غير آمنة مزروعة في تربة ملوثة. حماية بيئتنا تعني حماية أنفسنا.

ما يمكن للطلاب فعله:

• استخدام صناديق فرز القمامة، وخاصةً للمواد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك والورق والعلب. وفصل نفايات الطعام عن النفايات المذكورة أعلاه للحد من التلوث.

• تنظيف ساحة المدرسة: عندما ينظف كل صف منطقة واحدة فقط بانتظام، يصبح الحرم المدرسي بأكمله أكثر نظافة.

• تقليل الاستهلاك وإعادة الاستخدام: أحضر زجاجات وحافظات طعام قابلة لإعادة الاستخدام. حوّل المواد القديمة إلى أعمال فنية أو حرفية أو لوازم دراسية.

• تعاونوا وبادروا - معًا، يُسهّل عليكم إحداث فرق.

هذه الحملة بالتعاون مع جمعية اللؤلؤ المكنون للتنمية وخدم

A picture that states the green future starts from your company.

هل تعلم أن ما يصل إلى 50% من النفايات الصناعية قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير؟ ومع ذلك، في كثير من الحالات، تُرمى هذه النفايات القيّمة ببساطة دون فرز سليم، مما يُسهم في امتلاء مكبات النفايات، وزيادة تلوث المجاري المائية، وانبعاثات الهواء الضارة. وبينما لا تزال الأرقام الدقيقة المتعلقة بالنفايات الصناعية محدودة، تُشير التقارير إلى أن التخلص غير السليم من النفايات الصناعية لا يزال يُشكل مصدرًا رئيسيًا للتدهور البيئي، لا سيما من خلال الإلقاء غير القانوني والنفايات السائلة غير المعالجة التي تدخل المسطحات المائية. ولكن هناك حل - ويبدأ باتخاذ إجراءات مسؤولة في مكان العمل. 

يمكن للشركات أن تأخذ زمام المبادرة من خلال:

• إنشاء صناديق نفايات مُعلّمة بوضوح لفصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن المواد غير القابلة لإعادة التدوير،

• الشراكة مع شركات إعادة التدوير وإدارة النفايات المُرخصة،

• تدريب الموظفين على ممارسات التخلص من النفايات السليمة بيئيًا.

 انضم إلى #تحدي_أعمالي_الخضراء : صوّر محطة فرز النفايات في شركتك وشارك جهودك الملهمة مع جمهورك. أظهر أن مكان عملك جزء من الحل، وليس المشكلة.

A picture stating that disposing of wastes in the Nile has negative effects on the health of people.

النيل ليس سلة مهملات، فلنحميه معًا! النيل هو شريان الحياة لأكثر من 100 مليون مصري، حيث يوفر ما يقرب من 95% من مياه الشرب في البلاد. في كل مرة نلقي فيه زجاجة بلاستيكية أو كيسًا أو أي نوع من أنواع  القمامة، فإننا نلوث مصدر الحياة نفسه.

تُظهر الدراسات الحديثة علامات مُقلقة:

• تحتوي 75% من عينات الأسماك المأخوذة من نهر النيل على جزيئات بلاستيكية دقيقة في أنظمتها 

• يُعد نهر النيل واحد من بين أكثر 10 أنهار في العالم مساهمة في تلوث المحيطات بالبلاستيك

على الرغم من اختلاف الأرقام الدقيقة، إلا أن هناك أدلة قوية على أن نفايات المنازل والشركات والقوارب تُشكل نسبة كبيرة من تلوث النهر. وهذا لا يُهدد الحياة المائية فحسب، بل يُهدد الصحة العامة أيضًا، وخاصةً في المجتمعات التي تعتمد على نهر النيل يوميًا.

ماذا يمكنك أن تفعل؟

• لا تُلقِ القمامة أبدًا في النهر أو على ضفافه

• تجنب البلاستيك قدر الإمكان - استخدم أكياسًا وزجاجات وحاويات قابلة لإعادة الاستخدام

• انضم إلى حملة تنظيف

التقط صورةً لجزءٍ نظيفٍ من نهر النيل، أو الأفضل من ذلك، صورةً لعملية التنظيف التي تقوم بها. انشرها وألهم الآخرين. 


أوراق سياسات وملخصات سياسات حول القضايا المصرية

غلاف أوراق سياسات وملخصات سياسات حول القضايا المصرية

تأتي مجموعة أوراق السياسات العامة وملخصاتها التي يتضمنها هذا الكتاب حول مجموعة من القضايا المهمة التي تفيد صانعي القرارات في هذا الصدد في إطار التعاون بين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومؤسسة هانس زايدل، كأحد المجالات والأنشطة التي تتعاون فيها المؤسسة مع الكلية على مدار السنوات الماضية. يحاول الكتاب تحقيق هدف مزدوج، فهو يسعى إلى بناء قدرات أعضاء هيئة التدريس بالكلية، كمحللين للسياسات العامة مؤهلين لتحليل المواقف وصياغة البدائل والتوصيات، من ناحية. ومن ناحية أخرى، يهدف الكتاب من خلال مخرجاته إلى تطوير السياسات العامة، من حيث صنعها وتنفيذها وتقييمها. 

 

يتكون الكتاب من ثلاث أوراق سياسات، وستة ملخصات سياسات. وتناولت أوراق السياسات الثلاثة موضوعات ثلاثة، "الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في مصر: تحليل الموقف وبرنامج العمل"، "الاقتصاد الأزرق بين الكفاءة والاستدامة بالدولة المصرية"، و"دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل سوق العمل المستقبلية بين الابتكار والنمطية".

    وفيما يتعلق بملخصات السياسات الستة، فقد تناولت الموضوعات الآتية:

  • توطين الصناعات في مصر: التحديات والفرص
  • سياسات التعليم قبل الجامعي في مصر
  • آليات تعزيز القوة الناعمة السياسية المصرية
  • آليات تمكين الوحدات المحلية للحد من ظاهرة الاغتراب للمواطن: رؤية مقترحة لمشروع قانون المحليات الجديد في جمهورية مصر العربية
  • الشباب والتنمية في مصر: آفاق وتحديات
  • الابتكار كركيزة للاقتصاد الأخضر: تحليل لموقع مصر في مؤشر الابتكار العالمي 2024

 

في النهاية، نأمل أن يمثل هذا الكتاب إضافة إيجابية إلى الحوار العلمى والعام فى مصر بشأن قضايا السياسات العامة. ونعتقد أن هذه الإضافة تنبع من أربع اعتبارات كانت موجهة للقائمين على هذا الكتاب عند الإعداد والتخطيط له، متمثلة فيما يلي:

أولاً: إن الجهد العلمى الذى يضمه هذا الكتاب يشمل أكثر من تخصص فى مجال العلوم الاجتماعية، فقد شارك فى كتابة أوراق السياسات وملخصات أوراق السياسات أساتذة وباحثون وخبراء من مجالات وعلوم متنوعة ما بين الاقتصاد، والإدارة العامة، والسياسة، والحوسبة الاجتماعية. وجاء هذا التنوع تمثيلا وتعبيرا عن الطبيعة البينية لحقل السياسات العامة، وأن فهم موضوع السياسات العامة يتطلب تضافر جهود الباحثين المنتمين إلى هذه المجالات.

ثانيًا: إن الجهد العلمى الوارد فى هذا الكتاب يضم أيضا تزاوجا بين الباحثين والأساتذة الذين يعملون في الجامعات من ناحية والباحثين الذين يعملون في الوزارات من ناحية أخرى، ذلك أن تقييم أية سياسة عامة لا ينبغى أن يقتصر فقط على الجانب النظرى أو على مدى تناسق عناصرها ومكوناتها، فالاختبار الأهم لأية سياسة عامة هو في التطبيق.

ثالثًا: تركز أوراق السياسات وملخصات السياسات  على موضوعات سياسية وإدارية واقتصادية، تتعلق بالجهاز الإداري للدولة، وبالاقتصاد الأزرق، والذكاء الاصطناعي، والقوة الناعمة السياسية المصرية، وتوطين الصناعة في مصر، والابتكار، وجميعها موضوعات حديثة ومهمة لها ارتباطاتها بعملية التنمية التي هي عملية سياسية واقتصادية وإدارية.

رابعًا: خلافًا لكثير من البحوث والدراسات التى تركز على الجوانب الأكاديمية والنظرية، تسلط معظم أوراق السياسات وملخصات الأوراق في هذا الكتاب الضوء على بعض المشاكل والقضايا المجتمعية، من خلال  تشخيص المواقف ومناقشة البدائل المختلفة الموجهة لحل هذه المشاكل، بما يمكن صانعي القرارات من الاستفادة من هذه البدائل من ناحية، كما يفيد الباحثين في كيفية إعداد أوراق السياسات وفي معرفة الاختلاف بينها وبين البحوث الأكاديمية، من ناحية أخرى.


معجم الحوكمة

قامت مؤسسة هانس زايدل، بالتعاون مع المعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة، بنشر معجم الحوكمة.

 

تم نشر هذا المعجم بالتعاون مع المعهد القومي للحوكمة والتنمية المستدامة بهدف نشر الوعي حول مبادئ الحوكمة والتعريف الصحيح للمصطلحات المتعلقة بها. يتكون المعجم من 3 لغات؛ العربية والإنجليزية والفرنسية، لذلك يمكن استخدامه من قبل جميع البلدان الأفريقية.

 


كتيبات أهداف التنمية المستدامة للأطفال

HSS

كتيبات أهداف التنمية المستدامة هي مجموعة من 17 كتيبًا يناقش كل منها أحد أهداف التنمية المستدامة بطريقة صديقة للأطفال بهدف توعية الأطفال بهذه الأهداف وكيفية تحقيقها. 

 

 

كُتبت الكتيبات على شكل قصص قصيرة مع شخصيتين رئيسيتين هما "أمنية" و "صلاح". بعد ذلك ، يتم تحديد خطة عمل للسماح للأطفال بتطبيق ما تعلموه من خلال القصة بطريقة عملية وعلى نطاق صغير. أخيرًا ، تم تخصيص الصفحة الأخيرة من كل كتيب لشرح هدف التنمية المستدامة الذي يتناوله الكتيب بصورة علمية من أجل تعريف الأطفال بالمعلومات العلمية حول كل هدف من أهداف التنمية المستدامة.

 


اللامركزية في الحالة المصرية: أوراق سياسات

في إطار إيماننا بأن اللامركزية أداة هامة لتحقيق إدارة محلية فاعلة تستجيب لاحتياجات المجتمع وتتيح مشاركة المواطن في صنع القرار المحلي، فقد تعاونت مؤسسة هانس زايدل مع مؤسسة تكامل لاستدامة التنمية نحو إصدار 3 أوراق سياسات حول اللامركزية، وذلك لعرضها على الجهات المصرية المعنية لاستعراض الآليات التي تتماشى مع الإطار الدستوري والقانوني لنظام الإدارة المحلية بمصر كمساهمة في جهود الإصلاح الإداري. .

 

تأتي هذه الأوراق استكمالاً لسلسلة أنشطة عقدتها مؤسسة هانس زايدل بالمحافظات المصرية المختلفة على مدار أعوام في إطار برنامج متكامل لرفع الوعي المجتمعي حول مفهوم وتطبيقات اللامركزية لتحقيق التنمية الاحتوائية المستدامة.

 


آداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة

حرصا من المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة على نشر ثقافة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والمحافظة على كرامتهم، يسعد المجلس إصدار هذا الكتيب " آداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة " والذي يستهدف توفير معلومات عن الإعتبارات الأساسية لآداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة والتي يمكن أن تسهم في زيادة الوعي لدى المواطن والعاملين في المجالات المختلفة كالتعليم والإعلام والعمل والصحة وغيرها، بأهمية إحترام الشخص ذو الإعاقة كإنسان دون النظر إلى إعاقته.

وفي هذا المجال يتوجه المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بالشكر لمؤسسة هانس زايدل الألمانية بمصر لتعاونها الكبير في إصدار هذا الكتيب.

 

ترتبط حياة الأشخاص ذوي الإعاقة بالثقافة المجتمعية التي تشكل ركيزة أساسية في تناول قضاياهم، وكانت النظرة المجتمعية والثقافية السائدة من القرن الماضي بأنهم غير قادرين ولا يستطيعون العيش والعمل بإستقلالية سببا رئيسيا في تهميشهم وتراجع حقوقهم الإنسانية مقارنة بغيرهم من المواطنين في كثير من  المجتمعات.

ومع تنامي حركات منظمات حقوق الإنسان أصدرت الأمم المتحدة في نهاية 2006 إتفاقية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأكدت أن الإعاقة ترجع إلى الحواجز والتحديات التي تواجه الأفراد ذوي الإعاقة داخل المجتمع، وليست أي شكل من أشكال القصور البدني أو الحسي أو العقلي أو النفسي فقط.

إن المنظور السلبي تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاج إلى خطوات فعالة لتغييره من خلال تفعيل القانون لتهيئة البيئة وتوفير سبل الإتاحة المختلفة لهم، ونشر الوعي بأسلوب التعامل معهم والذي يساعد على ترسيخ مفهوم إحترام الإختلاف والكيان الإنساني أولا.

 إن الوعي بأساسيات آداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة والذي يعني التواصل والتفاعل المحترم معهم، يجعلهم يشعرون براحة أكبر عند التعامل مع غيرهم، ويمكن أن يساعد في منع المواقف المحرجة، ويمكن أن يؤدي أيضًا إلى توسيع فرص الإندماج والعمل بالإضافة إلى مساعدة المؤسسات على أداء أدوارها تجاه العاملين بها أو المتعاملين معها من الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل أكثر فاعلية.

وحرصا من المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة على نشر ثقافة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والمحافظة على كرامتهم، يسعد المجلس إصدار هذا الكتيب " آداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة " والذي يستهدف توفير معلومات عن الإعتبارات الأساسية لآداب التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة والتي يمكن أن تسهم في زيادة الوعي لدى المواطن والعاملين في المجالات المختلفة كالتعليم والإعلام والعمل والصحة وغيرها، بأهمية إحترام الشخص ذو الإعاقة كإنسان دون النظر إلى إعاقته.


اللامركزية والإدارة المحلية في مصر وألمانيا

يقدم هذا الكتاب كلاً من التجارب المصرية والألمانية في الإدارة المحلية مع التركيز بشكل خاص على اللامركزية. إن النموذج الألماني الذي يقدم وضعًا وطنيًا مستقرًا مع سياسات موحدة من ناحية ونظام لامركزي بقدرات إقليمية ومحلية قوية من ناحية أخرى يمثل مصدر إلهام لعملية الإصلاح الإداري الجارية في مصر. وصف مؤلفا هذا الكتاب التجارب الألمانية والمصرية ، وهما الدكتور صالح الشيخ والدكتور أندرياس كالينا ، وكلاهما خبيران رائعان في الموضوع ولهما خبرة وطنية ودولية طويلة ، وقد شاركا معًا في ورشة عمل نظمت في مصر في مايو. 2015 من قبل مؤسسة هانس زايدل بالتعاون مع شريكها المصري خدمة المعلومات الحكومية حول نفس الموضوع. يتألف الكتاب من ثمانية فصول شارك فيها الدكتور صالح الشيخ والدكتور أندرياس كالينا ويختتم بمساهمة قصيرة من منسق المشروع في مؤسسة هانس زايدل حول برنامج اللامركزية للمؤسسة الذي تم تنفيذه مع مراكز النيل خلال السنوات الماضية.

 

تبدأ الفصول التي تناولها الدكتور الشيخ بمقدمة عن اللامركزية من النظرية إلى التطبيق ثم تنتقل إلى الأنظمة الديمقراطية المحلية التي تغطي السياق السياسي والقانوني للنظام المحلي المصري.

كما عرض د. الشيخ متطلبات إصلاح النظام المحلي من خلال اللامركزية وكذلك مراجعة للتجربة المصرية في التربية المدنية. كتبت الدكتورة كالينا مقدمة عن عملية التحول إلى اللامركزية أعقبها مراجعة للنظام الفيدرالي والحكم المحلي في ألمانيا وكذلك إدارة البلدية واتجاهات التحديث.

تم اختتام المساهمة القيمة لكلا المؤلفين بتوصيات ونظرة عامة على الدروس المستفادة من التجربة الألمانية.


الدليل الإرشادي للتنمية بالمشاركة مفاهيم عامة وإطار تنفيذي – المبادرات المحلية كنموذج

في إطار مشروع التعاون المشترك مع الهيئة العامة للاستعلامات بعنوان "مراكز النيل للإعلام والتعليم والتدريب: أداة للتنمية المستدامة في مصر" قامت المؤسسة على مدى سنوات بتنفيذ برنامج شامل لدعم المبادرات التنموية المحلية في مختلف المحافظات المصرية، حيث نظمت بالتعاون مع شريكها الهيئة العامة للاستعلامات/مراكز النيل، سلسلة من ورش العمل التدريبية حول تخطيط وتنفيذ وتقييم المبادرات التنموية التشاركية لأعضاء مراكز النيل وشركائهم من المجتمع المدني والإدارات المحلية.

 

وقد اتفقت مؤسسة هانس زايدل مع الهيئة العامة للاستعلامات على إعداد هذا الكتيب بالتعاون مع خبراء مؤسسة تكامل لاستدامة التنمية استناداً على خبراتهم المحلية والدولية في مجال التنمية بالمشاركة.

يعرض هذا الكتيب في ثلاثة فصول الإرشادات الخاصة بالتنمية بالمشاركة حيث يشتمل على مقدمة نظرية حول مدخل التنمية بالمشاركة بما في ذلك القوانين والسياسات المصرية في هذا الصدد، يليها عرض الإطار التنفيذي وأدوات التطبيق العملي، خاصة المبادرات المحلية، ثم يختتم بوصف المبادرات المحلية وتقديم خطوات عملية كإرشادات تنفيذية مع عرض نماذج للمبادرات التي تم تنفيذها بالفعل من خلال مراكز النيل.

تم طباعة هذا الدليل كمرجع للعاملين في مجال المبادرات المحلية أملاً في المساهمة في تحقيق مشاركة مجتمعية حقيقية في عملية التنمية المستدامة في مصر.